القرطبي
258
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الضرار . ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسني ، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة . وهذا يدل على أن الافعال تختلف بالمقصود والإرادات ، ولذلك قال : " وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى " . " والله يشهد إنهم لكاذبون " أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه . قوله تعالى : لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( 108 ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( لا تقم فيه أبدا ) يعني مسجد الضرار ، أي لا تقم فيه للصلاة . وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ، يقال : فلان يقوم الليل أي يصلي ، ومنه الحديث الصحيح : ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . . . ، فذكره . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة ( 1 ) تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات . الثانية - قوله تعالى : " أبدا " " أبدا " ظرف زمان . وظرف الزمان على قسمين : ظرف مقدر كاليوم ، وظرف مبهم كالحين والوقت ، والأبد من هذا القسم ، وكذلك الدهر . وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي أن " أبدا " وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم ، فلو قال : لا تقم ، لكفى في الانكفاف المطلق . فإذا قال : " أبدا " فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان . فأما النكرة في الاثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم ، وقد فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الاسلام فقالوا : لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة .
--> ( 1 ) في ج : مزبلة وفي ى : كناسة مزبلة .